كتاب ضخم في 639 صفحة درس الحادثة من جميع جوانبها: الحديثية والتاريخية والعقدية والفقهية وغيرها، وأجاب عن جميع الاستشكالات المتعلقة بها.كتاب رائع لطلاب العلم فيه مجموعة كبيرة من التحريرات الجيدة.
رابط تحميل المقدمة والفهرس
https://cutt.us/kQKv5
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، أما بعد:
فهذه سلسلة من الأبحاث الشرعية والكونية، أحاول فيها كشف أسرار العوالم الخفية([1]) التي يُعتقد تأثيرها في حياة البشر، والقوى الخارقة([2]) التي يُظن أن بعض الناس يمتلكها.
ما يميز هذه البحوث عن غيرها أنها محاولة للمزاوجة بين ما جاء به الشرع، وبين ما كشفته وتكشفه العلوم التجريبية.
ولقد حاولت في هذه البحوث السير وفق منهج علمي سليم بالابتعاد -قدر المستطاع- عن أي ضغط خارجي أو أفكار مسبقة قد تؤثر في نتيجة البحث، فأسأل الله التوفيق والسداد لما فيه الخير في الدنيا والآخرة.
تكمن أهمية السلسلة في تنوع مسائلها، وتأصل هذه المسائل في الفكر البشري وارتباطها بحياة الناس اليومية:
- تنوع مسائلها: فهي تناقش مسائل كثيرة ومتنوعة، وبالتالي اتساع وتنوع في الشرائح التي تخاطبها.
- تأصل مسائلها في الفكر البشري: فهذه المباحث شغلت الفكر البشري مذ وطئت أقدام البشر البسيطة ولازالت تشغل العلماء والمفكرين إلى اليوم.
- ارتباط مسائلها بحياة الناس اليومية: من جهة كثرة ذكرها والتعرض لها يوميا، ومن جهة نسبة الكثير من التأثيرات إليها.
بالإضافة إلى ما يتخلل السلسلة من تصحيحات عقدية ومنهجية وفكرية، ومحاولة لعلاج مشاكل دينية واجتماعية، وأمراض نفسية وبدنية.
هل في دراسة هذه المسائل مضيعة للوقت وشغل للمسلمين؟
قال محمد الغزالي بعد حديثه عن الجن والطاعون والمايكروبات: "ولا أحب أن أمضي في طريق غامضة المعالم، ولا أن أشغل المسلمين بأمور توافه، وبيضتهم مستباحة وحدودهم مجتاحة"([3]).
قلت: صدق رحمه الله من جهة أن الأمور العظام تَصْغُر وبيضة المسلمين مستباحة، فلا يبقى مع استباحتها وعدم الكفاية قيمة –بالنسبة إليها- لبر والدين، أو طلب علم، أو إنفاق في مصارف خير...
ومن جهة إعطائها قيمة أكبر من حجمها، فالمسلم ليس مطالبا بمعرفة دقائق هذا العالم وخباياه، ويكفيه منه أن يؤمن بوجوده إجمالا، ولا ينكر شيئا من النصوص الواردة فيه ولا دلالاتها إذا بلغته على وجه التفصيل.
ولذلك فإن ظهور مئات المصنفات المتطابقة المكررة في هذه المواضيع، ما هو إلا تضييع للأوقات والأعمار، وإشغال للمسلمين، وعدم تقدير للأولويات([4]).
أما استصغار البحث في هذا العالم بالنظرة المادية، فلا شك أن الإشكال عند المنتَقِدِ خلل في المنهج يحتاج إلى تصحيح.
فإن قال قائل –وقد قيل- بناء على ما ذكرت كيف تستنكر على الناس وضع الرسائل في الموضوع وقد كتبت كراسات؟!.
قلت: إن من أهداف هذا البحث وضع حد لهذه الفوضى بتصحيح المناهج والأصول، وكشف عوار الكتب التجارية وإلجام أصحابها، وصرف أذاهم عن الناس، كما أن حصون المسلمين عديدة، وكل على ثغر، ولا يلزم من الاشتغال بشيء إهمال غيره، والله أعلم.
أسباب اختيار الموضوع والأهداف المرجوة منه([5])
انطلق هذا البحث من فكرة وضع مصنف لطيف فيه إرشادات لمن ابتلي بنوع من الأمراض المنسوبة إلى الجن أو العين أو السحر، تُسَهِّل عليه معرفة ما أصابه، وتُبيِّن له طرق الخروج من أزمته، وتُجنبه الوقوع في أسر المشعوذين وجهلة المرقِّين.
وكان ذلك بعد أن رأيت كثرة الشاكِين، وقلة الأطباء والرقاة الحاذقين، وليس في العمر سعة لإجابة السائلين، ولا في النفس هِمَّةٌ لبذل الكثير من الوقت، ولا رغبة في سماع بلايا الناس ودفائن أسرارهم.
فقلت: أستعيض عن ذلك كله بكتاب يكون حجة في الباب، يسيرا مبسوطا معينا على الشفاء بإذن الله، أقدمه للسائلين بدل الذهاب مع الذاهبين والعودة مع الآيبين.
فشرعت في جمع مادة الكتاب، وكانت المادة تكبر وتكبر، والمواضيع تتنوع وتكثر، وسبب ذلك أمران، الأول: أن إخراج المريض من حيرته يحتاج الإجابة عن شُبَهِهِ، وشبهه كثيرة، والثاني: أن نشأتي حديثية فلم أكن أقنع بكلام حتى أعاين دليله وأعاير مثاقيله، ومع كبر المادة رأيت أن أجعلها في سلسلة تكون خلاصتها الجزء اللطيف الذي ذكرت.
ويمكن اختصار الأسباب والأهداف فيما يلي:
- الرغبة في الوصول إلى الحق في هذا الباب، وليس الحق محصورا في معرفة ماهية هذه الأشياء أو آلية عملها، بل قد يكون الحق هو العلم بعدم قدرة البشر على التطلع إلى هذه العوالم.
- جمع شتات الموضوع فلا يخرج منه شيء.
- بذل أسباب الشفاء للناس، وعدم تركهم عرضة لابتزاز المشعوذين، ولا لتسلط الأوهام ووساوس الشياطين، ورسالة ينتفع بها الآلاف خير من إهدار الأعمار في علاج أفراد من الناس.
- فصل حقائق الدين عن خرافات المصنفين.
- إحياء منهج أهل الحديث في التعامل مع الخبر بشكل عام، وعدم قصر هذا المنهج على حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
السلسلة عبارة عن تحقيق في المعاني الشرعية للسِّحر والعين والجن وغيرها، انطلاقا من دراسة النصوص الشرعية ثم ربطها بالحقائق والنظريات العلمية، ثم النظر في كل خارج عن طوره عند المسلمين وغيرهم، ومحاولة تفسيره وإلحاقه بأصله.
وهذه كلها للمتخصصين والباحثين، فلا يرجى لعوام الناس من قراءتها كبير فائدة، ولذلك سترفق هذه السلسلة بجزء مفرد يحوي الزبدة يكون الغرض منه نفع عوام الناس وصرف الوساوس والشبهات عنهم، وتقريب أسباب الشفاء إليهم، فأسأل الله أن يوفقني لإتمامه.
أسئلة تحتاج إلى إجابة (إشكاليات)
سنحاول في هذه السلسلة إن شاء الله الجواب عن عشرات الإشكاليات والأسئلة المحيرة التي تدور في عقول الناس وأعماق النفس، وهذه أمثلة لها:
1- لقد أجرى الله في هذا الكون نواميس لا يخرج عنها شيء([6]) قد يعلمها البشر وقد يجهلونها، فكل ظاهرة محسوسة -سواء أَنُسِبَ فاعلها إلى عالم الغيب أم إلى عالم الشهادة- لها أسبابها العادية، وجريها على الأسباب يجعل التجريب فيها ممكنا، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تنحصر أدلة وجود الظواهر الخارقة في تفسيرات لبعض المشاهدات؟ وهل توجد آلية يمكن رصد هذه الظواهر بها؟.
2- إننا أمام هذا التقدم العلمي الرهيب نقف حائرين أمام تجاهله لكثير من الخوارق التي يدعي بعض الناس مشاهدتها أو اكتسابها، والعقل يقول: إن كانت هذه الأمور حقائق فلا يمكن أن يتجاهلها الغرب لما يمكن أن يجنيه من ورائها، إذ أنَّ تطويع هذه النواميس للبشر وفهم آلية التعامل معها، خير من إنفاق المليارات على غزو الفضاء، أو العمل الاستخباراتي أو الاستشفائي أو غيره، فالمثبتون لهذه الظواهر يَدَّعون شفاءها للمستعصيات، وإخبارها بالمغيبات، وفهمها لنواميس الكون، وامتلاكها لأقوى وأدق الآلات، فهل ثبت بالدليل العلمي زيفها أم أن الغرب يستغل هذه الظواهر، ويستفيد منها، ويخفي ذلك عن العالم كله؟
وذاك من أعجب العجاب، كيف يستطيع الغرب إخفاء أمر كهذا عشرات السنين؟!
وكيف يستطيع إسكات آلاف العمال المشاركين في هذه البرامج؟!
وعلى افتراض صحة ذلك، أليس حَرِيًّا بنا أن نلحق بالركب، فننهل من نفس المورد؟.
3- يدعي بعض الرقاة والمشعوذين أن أغلب الناس تحت سلطة الجن والشياطين، وجلهم مصابون بالأمراض الروحية، وينفي كثير من الناس هذا الوصف ويحيلون أي علاقة بين العالم الروحي والعالم المادي، والسؤال هنا أي الفريقين مصيب؟ وهل تثبت علاقة بين عالم الروح وعالم المادة؟.
4- تختلف نظرة الشعوب للظواهر الخفية، فهناك من ينسبها إلى الجن والشياطين، وهناك من ينسبها إلى قوى النفس أو قوى الروح البشرية، أو أرواح علوية وسفلية، أو أرواح الأشياء أو الحيوانات، أو مخلوقات فضائية، أو قوى الكون، أو قوى الشر والخير، أو قوى خفية لا تعريف لها...
فهل نحن أمام ظواهر مختلفة أم هي ظاهرة واحدة تتعدد نظرة الثقافات لها؟
المنهجية في الكتابة
1- طريقة التعامل مع النقول
- أحذف الألقاب والتعظيمات اختصارا.
- أحذف الاستدلالات في النقول على المسائل الظاهرة كحرمة الكذب ونحوه، والاستدلالات على المسائل المكررة اختصارا.
- أضيف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم تكن موجودة في النقل.
- في الفتاوى إذا كان السؤال متضمنا في الجواب ففي الغالب أسقطه.
- إهمال التأويلات الباطنية وكل كلام ليس له وجه عند العقلاء، وأذكرها أحيانا على وجه التشنيع.
- أصحح الأخطاء المطبعية الظاهرة دون الإشارة إليها في الغالب، وأشير إلى أخطاء المحققين في الهامش، وأحيانا أضع سطرا تحت اللفظ الخطأ ليُعلم ولا أهمش له كي لا يثقل الكتاب بالحواشي.
2- طريقة التعامل مع المصادر والمراجع
- إذا كان للمؤلف مجموعا موثوقا فإني أستغني به عن الرسائل والفتاوى المفردة، كمجموع فتاوى ابن تيمية أو مجموع فتاوى العثيمين...
- الأصل الاعتماد على الكتب الورقية أو نسخها الإلكترونية المصورة، وفي حالات قليلة استعنت بكتب الشاملة الموافقة للمطبوع وأرمز إليها ب (ن شاملة)، وإذا كانت غير موافقة للمطبوع أرمز لها ب (ترقيم آلي).
- عند النقل من المنتديات والمدونات أضع اسم القائل بين قوسين للدلالة على كونه معرفا، إلا أن يكون لشخص معروف أو مشهور كمحمد الأمين في ملتقى أهل الحديث وأبي مالك العوضي في الألوكة وغيرها.
- لا أذكر عند النقل من المنتديات عنوان الموضوع الذي أُخذت منه المشاركة وإنما أقتصر على اسم المنتدى، وفي الغالب أقتصر في النقل على ملتقى أهل الحديث والمجلس العلمي للألوكة، ولا أتجاوزهما إلا قليلا.
3-طريقة التعامل مع النصوص الحديثية
- إذا وجد الحديث في الصحيحين استغنيت بذكرهما عن ذكر غيرهما في التخريج، ثم السنن، ثم مشاهير المسانيد والموطآت ثم غيرها من الأجزاء، ولا أنتقل من الأعلى إلى الأدنى إلا لحاجة.
وإذا كان الحديث غير متعلق بالموضوع لا أخرجه تخريجا تاما وإنما أكتفي بالإحالة إلى مصدر أو مصدرين.
- عند نقل أحكام العلماء على حديث لا أزيد على ذكر أحكام المتقدمين، فإن لم يكن للمتقدمين كلام أو جاء قاصرا كأن يكون مجملا، أورد كلام المتأخرين وأحكامهم، أما المعاصرون فلا أورد كلامهم إلا عند انعدام كلام غيرهم أو لوجود نادرة أو فائدة فيه.
- الأحاديث والآثار التي أخرجها تخريجا وافيا، ويكثر ذكرها بعد ذلك، لا أخرجها ثانية ولا أحيل إلى موضع التخريج الأول تقليلا للهوامش.
4- تبسيط الأسلوب
- أحاول تبسيط العبارات قدر المستطاع وإن تركت الأبلغ، من ذلك تكرير الاسم في المواضع التي قد يؤدي الإشارة إليه بالضمير إلى شيء من الإبهام.
5- تعريف أهل البدع
حاولت قدر المستطاع إلحاق صاحب كل نحلة بمذهبه وذلك بعد اسمه مباشرة وذلك لأسباب منها:
- عدم الاغترار به فيظنه من يقرأ الكتاب من علماء الإسلام المعتمدين.
- التحذير منه حتى لا تطلب كتبه أو يبحث فيها، إلا لمن استوعب المذاهب، وعرف الصحيح من السقيم، ولم يُخش عليه من تشرب الفتن.
- حتى يُعرف مذهبه في أصول المسائل فإن كثيرا من الأحكام الفرعية مرتبطة بالأصول فإذا عرف الأصل فهم سبب اختياره في الفرع.
وهذا التصنيف أغلبي، فقد ينسى الإنسان وقد يخطئ وقد يجهل.
والتعريف متعلق بالمصنفين المتأخرين فلم أخض فيمن تقدم من رواة الحديث وأهل الفقه إلا من كان رأسا في البدعة أو غاليا فيها أو كان الخلاف في المسألة منشأه البدعة التي هو عليها فأعرفه في ذلك الموضع دون غيره.
ولقد عففت عن تعريف الأشاعرة لأن أغلب علماء الإسلام وشراح الحديث منهم، فلا أنبه عليهم إلا في المخالفات التي بنيت على أصل بدعي عندهم، وليس الأمر مطردا.
ولقد جمعت بين الشيعة والرافضة إلا في النادر حيث يكون الكلام في المحل به غلو شديد.
6- الالتزام بمنهجية البحث الأكاديمي([7]) ما دامت فيه فائدة
لذلك لا تتعجب من عدم وجود خطة للبحث في المقدمة فقد حواها الفهرس.
[1]()العوالم الخفية: وهي كل عالم عاقل لا يدركه الإنسان بحواسه، فيدخل فيه عوالم الجن، والملائكة، والشياطين، والأرواح...إلخ.
[2]) خوارق العادات: بمسمياتها المتعددة، وبارتباطاتها وتشعباتها، ويمكن تعريفها بأنها كل فعل للبشر يجري مخالفا لنواميس الكون وعادة البشر، وهي كثيرة جدا منها: السحر، والرقى، والكرامات، والرؤى، والتخاطر، والكهانة...إلخ.
وقد يطلق عليها أو على جزء منها -بلسان عصرنا- علم الباراسيكولوجي.
[3]) السنة النبوية (ص: 162).
[4]) كثير من المصنفات لا تسوى الورق الذي طبعت عليه، ولا المداد الذي سودت به.
ما معنى أن يصدر في الرقية كل عام عشرات المصنفات؟! وما معنى أن تكون حياة نبي من الأنبياء في مجلدات والنصوص التي حدثتنا عنه لا تتجاوز بضع صفحات؟! وأيش شرح حديث في مجلدات؟! إننا نعيش فوضى في التأليف وجب ضبطها.
[5]) تتعدد أسباب اختيار المواضيع ويطرأ عليها التغير والتجدد مع تقدم البحث، وقد ينتهي الباحث من بحثه وقد غير أسبابه التي كان يعتقدها أسبابا، بأسباب ما كانت لتخطر على باله أول البحث، ورغم أن ذكر أسباب اختيار الموضوع ذو قيمة علمية لأخذ صورة تامة عن البحث، وفهم إشكالاته، وإدراك العلاقة بين الباحث وموضوعه، إلا أن الموجود في الواقع مخالف لذلك تماما، فأكثر البحث الأكاديمي لو صُدِق في ذكر أسبابه لكان الموقِّع على الأسباب الإدارة أو المشرف، أو كان الجواب صفحة بيضاء، أو لم أجد موضوعا غيره، فلا وجه لإلزام الناس به إذ لم يكن عاكسا للحقيقة.
[6]) إذا وجد السبب وارتفع المانع وقع الأثر، وتجاهل هذا القانون هو سفسطة صورية لا وجود لها في الواقع.
[7]) أغتنم هذه الفرصة للكلام على منهجية البحث الأكاديمي، فمع محاولة البعض الجمع بينها لتكون واحدة ملزمة في جميع الجامعات على اختلاف الأقطار، فإنهم يتناسون بشرية هذه المناهج وأنها قابلة للنقد والتغيير والتجدد، ويهملون توافق هذه المناهج مع إرادة الباحثين وتوجهاتهم، وهذا مثال بسيط يوضح بعض المقصود من الكلام:
يهتم البحث الأكاديمي بالتجديد ويمنع التكرار ويقطع أسبابه، ويعلل ذلك بأسباب كثيرة مقنعة ومقبولة، لكنه في نفس الوقت يرعى التكرار ويؤصل أسبابه، من ذلك اشتراطهم في الكتب المحققة التقديم لها بدراسة تتضمن ترجمة المؤلف وبيان منهجه وتعريف بالكتاب وتوثيقه...إلخ، وهو ما يأخذ حيزا كبيرا من الرسالة، هذا الحيز قد كرر مرات ومرات في الدراسات الأكاديمية أو خارجها، والأمَرُّ من ذلك أن الكتاب إذا كان حجمه كبيرا فتقاسم تحقيقه مجموعة من الباحثين، فإن كل باحث يجب عليه الإتيان بذلك المكرر، فتجتمع في تحقيق الكتاب الواحد مجموعة من التراجم المكررة والجهود المهدرة (مثال ذلك تحقيق المغني للعراقي في 13 رسالة جامعية حوت أكثر من ألف صفحة مكررة).
مقدمة الكتاب
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، أما بعد:
فإن الآيات والأحاديث النبوية المتعلقة بمعرفة العوالم الخفية والقوى الخارقة كثيرة ومتنوعة في دلالاتها، وقد انطلقت منها لأخذ تصور صحيح عن هذه الغيبيات ثم البناء عليها بما هو مشاهد في عالمنا، والقاعدة في التعامل مع هذه النصوص: تجريد النص من المؤثرات الخارجية حتى يعود واضحا نقيا صافيا من لوثة الإسرائيليات اليهودية والمعتقدات الجاهلية والمقولات المجهولة النسب التي فرضت على الأمة بكثرة النقل لها.
وأول دليل جُمعت مادته هو حديث عائشة في سحر لبيد اليهودي للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث على الرغم من كونه أقوى الأدلة على وجود عالم غيبي سفلي مؤثر في حياتنا إلا أنه وقع فيه خلاف شديد بين المثبتين والنافين.
الدراسات السابقة وأهم المصنفات التي تحدثت عن الموضوع
يمكن تقسيم الكتب والدراسات التي اعتنت بالموضوع إلى ثلاث مجموعات:
الأولى: كتب ورسائل خاصة بحادثة سحر لبيد للنبي صلى الله عليه وسلم.
الثانية: كتب عامة ناقشت الموضوع واستفاضت فيه.
الثالثة: كتب عامة عرجت على الموضوع باختصار لكنها جاءت بالجديد.
أولا: كتب ورسائل ومقالات في حادثة السحر
1- كتاب ذكره ابن القيم
وهو أقدم مصنف وضع في هذا الحديث قال ابن القيم: "وقد اعتاض [حديث حادثة السحر] على كثير من أهل الكلام وغيرهم، وأنكروه أشد الإنكار، وقابلوه بالتكذيب، وصنف بعضهم فيه مصنفا مفردا حمل فيه على هشام، وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال غلط واشتبه عليه الأمر..."([1]).
لم يشر ابن القيم إلى اسم الكتاب ولا إلى اسم مؤلفه، ولم أجد لهذا الكتاب أثرا.
وقد ذكر محمد رشيد رضا كلاما مشابها لما ذكره ابن القيم مع إضافات بسيطة توحي بأنه اطلع على الكتاب قال: إن "بعض منكري الحديث أعلوه بهشام وألف بعضهم كتابا خاصا فيه محتجا بقول بعض علماء الجرح والتعديل إنه كان في العراق يرسل عن أبيه"([2]).
قلت: لا أظن أن محمد رشيد اطلع عليه لأسباب عدة منها:
- أن ضياع المخطوطات بعد محمد رشيد بعيد ولو كان موجودا لظهر.
- أن محمد رشيد لم ينقل عنه مع حاجته إلى النقل منه.
- أن التعمية على اسم الكتاب وصاحبه مقبول من ابن القيم لكون المؤلف من أهل الكلام أما عند محمد رشيد فلا تظهر أغراض التعمية.
2- ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر، وبيان بُعْدِ محمد رشيد رضا عن السلفية
لم يجئ فيه الوادعي بالجديد، وأغلب ما أورده نقول، ومن أهم المآخذ عليه ما يلي:
- أن مواضيع الكتاب وأفكاره متداخلة وغير متناسقة وكأن الرسالة إملاءات أو خواطر.
- فيه تحامل شديد على العلماء والدعاة، وتأصيل لمنهج التفريق والتجريح، ومحاولة لتمرير هذا المنهج على أنه منهج أهل السنة في الجرح والتعديل.
قال مقارنا بين أبي حاتم الرازي وعلي الطنطاوي: "(أبو حاتم إمام)، وعلي الطنطاوي لا يساوي كلامه فلسًا، بل لا يساوي هو بعرةً، عرفته بالحرم المكي، وهو فاسق حالق اللحية لا يتقيّد بدليل، لا أكثر الله في علماء المسلمين من أمثاله"([3]).
قلت: من يقرأ هذا الكلام وهو لا يعرف علي الطنطاوي يظن أنه يتحدث عن مجرم فلا حول ولا قوة إلا بالله.
- ذكر مسائل كثيرة كان إهمالها أولى في هذه الرسالة المختصرة، كنقله لمناقشة ابن حجر الشك الوارد في عبارة (ذات يوم أو ذات ليلة)، ومحاولة ابن حجر معرفة الشاك من الرواة([4]).
3- رد طعن الطاعنين في سحر اليهود لسيد المرسلين
تأليف أبي زيد عبد الرحمن النتيفي المغربي، توفي سنة (1385ه-1966م)، له ما يقارب السبعين رسالة، كلها ردود، ولم يطبع منها إلا القليل.
وهذه الرسالة من تراثه المخطوط ولم أتمكن من الحصول عليها.
4- حديث السحر في الميزان لسعد المرصفي
جاء الكتاب في ما يقرب الثمانين صفحة، وما يؤخذ عليه أن القسم الأكبر منه كان في علاج السحر بعيدا عن عنوان الكتاب، وأن الدراسة الحقيقية للحديث كانت في سبعة عشر صفحة وكانت في معظمها نقولا.
وقد تعرض للحديث في بحثه الموسوم بمشكل الحديث في ضوء أصول التحديث، ولم يختلف ما ذكره فيه عما أورده في كتابه، وكان عمدته إعادة كلام حبيب الله الشنقيطي في زاد المسلم.
5- سحر النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤيدين والمشككين لسيد الجميلي
توسع الجميلي في دراسته للحديث لعلاقته السابقة بعالم السحر من جهة التصنيف، ما يميز هذا الكتاب:
- كبر الحجم مقارنة مع غيره مما وضع في نفس الموضوع
- انفراد الجميلي بإثبات المرض ونفي السحر
- السجال بين الناشر والمؤلف فقد قدم الناشر للكتاب بإثبات تعرض النبي صلى الله عليه وسلم للسحر وأنه قول أهل السنة وأن ما خالفه قول لأهل الكلام، بل قد رد على المؤلف في موضعين داخل الكتاب.
- حاول الجميلي أن يحرر قولا يكون فصلا في المسألة، لكنه للأسف لم يوفق، فالحلول الترقيعية كثيرا ما تكون واهية، كما أن الشرخ عميق بين الفريقين، وكلما تقدم الزمان ازداد الخلاف تجذرا، ومما قاله في هذا الشأن: أنه عمد "إلى دراسة الموضوع دراسة علمية دقيقة مستفيضة لحسم الخلاف الذي طال أمده"([5]).
- من أهم الأخطاء المنهجية التي وقع فيها فرض مسلماته على مخالفيه على أنها حقائق، واستعمالها في الترجيح بين الأقوال، من ذلك اعتقاده قدرة السحرة على قلب الأعيان وعدم مراعاته لمذهب مخالفيه أو مناقشتهم فيه، كذا فرضه فهمه لآلية السحر.
- نقل صفحات بحروفها عن علي حسب الله دون أن يشير إليه، واختصر في مواضع فأخل بالمعنى.
6- تنزيه الأنبياء عما جاء في حديث السحر من دعاوى الأغبياء
تأليف: عبد الله حلمي، لم أطلع عليه.
7- طرق حديث عائشة رضي الله عنها
تأليف أحمد السلوم، لم أطلع عليه.
8- طرق حديث عائشة رضي الله عنها
تأليف محمد الدقة، لم أطلع عليه.
9- حديث السحر النبوي بين حجة النقل وجدل العقل
لرضا بن زكريا حميدة، لم أطلع عليه، ويبدو من خلال صفحة موضوعاته التي عثرت عليها أنه كتاب جيد.
10- تنزيه نبي الله عما نسب إليه من السحر
تأليف: عبد الله عكور (صوفي أشعري)
مهد بأنواع السحر، ثم بإمكان تعرض الأنبياء له، ثم ذكر الحديث ورواياته، ثم ناقشها وأورد اعتراضاته.
والكتاب عليه مؤاخذات كثيرة تجد بعضها مبثوثا في هذا الكتاب، ومن أمثلة الأخطاء التي وقع فيها أنه فرض على القارئ تصوره للسحر وأنواعه دون أن يبين دليله في ذلك، فأوهم أن مصدره الشرع، وحاكم الحديث انطلاقا من تلك المقدمات، ومن تلك المقدمات: "أن السحر هو نتاج تحكم الأرواح الخبيثة الشيطانية السفلية بأرواح بني آدم وأجسامهم"([6]).
ومن أمثلة المؤاخذات عليه: انتصاره لبدعته كلما أمكنه ذلك، وجهله بعلوم الحديث، وتقحمه ميادينه، وليست علوم الحديث هبة تنال بالإجازات وقصر الأسانيد.
11- القول الفائق في نفي السحر عن خير الخلائق
لصاحبه حسن الحسيني (شيعي)([7]).
قلت: قد أبان فيه صاحبه عن عقل، وأن ليس كل الشيعة سواء في السفاهة، لكن مع هذا لا يخلو كتاب شيعي من شطحات شيعية لا يقبلها عقل ولا منطق منها في رسالته هذه رده لروايات عندهم -على وجه الجزم- في حال ثبوتها بحجة أن الإمام قالها على وجه التقية فذكرني بقوله تعالى الذي استنكر فيه ادعاء كفار قريش أنوثة الملائكة: {ﲧ ﲨﲩ ﲪ ﲫ ﲬ} [سورة الزخرف:19].
12- مقال: حادثة سحر النبي صلى الله عليه وسلم
لصاحبه زياد عواد.
13- مقال: القول الأتم في الرد على شبهات حول سحر النبي صلى الله عليه وسلم
للدكتور يسري سعد، لا يختلف كثيرا عن مقالات المثبتين، ولا يظهر نفس الكاتب فيه، ومقال زياد عواد أمتن وأوسع منه.
14- مقال: حادثة سحر النبي صلى الله عليه وسلم دراسة وتحليلا
بحث مقدم للجامعة الأردنية من سلطان العكايلة غير منشور.
15- مقالات الأنجري (صوفي قبوري)
مجموعة مقالات نزلت على الهيسبرس المغربية، وصاحبها يحمل فكرا خرافيا، ومنطقا عجيبا، وستجد الرد عليه وبيان أخطائه بين ثنايا الكتاب.
16- مقال تأملات نقدية في حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه أ.د عبد القادر بوعرفة([8])
الأستاذ دكتور في الفلسفة متعلق بالثقافة الإسلامية، حاول أن يناقش أهل الاختصاص، ويبرز تناقضاتهم، فوقع في أخطاء كثيرة، من أهم أسبابها سطحية اطلاعه على العلوم الدينية، وهذه بعض الأمثلة لما وقع فيه:
- لم يفرق بين عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في التبليغ، وعصمته من الناس حتى يبلغ، فظن جوابهم عن عصمته من الناس جوابا عن عصمته في التبليغ، فاتهمهم بالتناقض.
- جعل سحر سحرة موسى خداعا بصريا، وهو أمر لم يسبق إليه، فقد قيل: حقيقي، تخييل للبصر، خدع صناعية.
- إطلاقه الوضع على الحديث بلا حجج ولا بينات، بل لما أراد التفلسف في الحديث أتى بما يحير العقول، منها قوله: أن الحديث منقطع بين البخاري وحماد بن أسامة وأوردها بأسلوب النفخ كأنه جاء بشيء عظيم، والحديث معروف عن حماد رواه عنه الشافعي وغيره، بل إن البخاري رواه عنه في الصحيح في موضع آخر من طريق عبيد بن إسماعيل فلا وجود للانقطاع، كما أن حمادا لم ينفرد به فقد رواه بضعة عشر رجلا عن هشام.
- يظهر عدم تحريه وعدم دقته في كثير من المسائل، وكأنه كتب الموضوع على عجل من ذلك قوله: "وبما أني أُكِنُّ الاحترام والتقدير للشيخ الألباني فقرأت رأيه في المسألة (وذكر رأي الألباني في المسألة)"
المشكلة أن الرأي الذي أورده ليس للألباني، وإنما هو لابن باز وتجده في فتاويه ج8 (149-150).
17- مقال تفنيد روايات سحر النبي
لصاحبه ظافر نحاس وهو رجل درس الهندسة ويحسب نفسه باحثا في العلوم الشرعية، اقتحم علم الحديث -أدق علم شرعي وأوسعه- ولم يملك آلاته فجاء بالعجائب، وقد نزهت كتابي عما جاء به ولم أذكر شيئا مما كتب إلا نادرا رغم أن منهجي في البحث استيعاب كل ما قيل والعلة في ذلك أنه:
1- جاء بأشياء كثيرة جديدة لكنها متهافتة لا برهان عليها، وبإيرادها ستضاف محاور وعناصر كثيرة للبحث لا معنى لها، وسيطول البحث كثيرا بما لا طائل من ورائه، وكمثال لذلك:
زعم أن هشاما والأعمش متهمان بالحديث وأن هناك من أدخله عليهما
قلت: إذا جارينا المنكرين، وافترضنا رد الحديث لشذوذ في المتن، قبلنا كلامه هذا وقلنا لأن هشاما والأعمش ثقتان عندنا، فافتراض الوهم منهما وإدخال الحديث عليهما أقوى من افتراض اختلاقهما له.
ثم انتقل إلى نقطة أخرى وهي البحث عن المتهم بالحديث وهذه خطوة جيدة إذا وجد لها أدلة تشهد لها، وستقوي -في حال وجود بعد عقلي فيها- ما ذهب إليه.
ملخص ما قال:
- الأعمش وهشام هما الوحيدان اللذان نُقل عنهما الحديث مسندا.
- وجود عوامل مشتركة بين الرجلين منها تطابق الميلاد والوفاة، الأم الأعجمية، فقد المروءة، سكنى العراق، التلاقي بينهما.
- الشيخ المشترك بينهما هو أبو الزبير.
المحصلة المتهم بإدخال الحديث عليهما هو أبو الزبير!!.
2- الكذب والافتراء وعدم المصداقية في النقل، وهو ما جعل أغلب مقدماته باطلة فهل نرد على المقدمات أم نرد على النتائج، وكم سيستغرق الرد عليه من وقت؟
من ذلك طعنه في أغلب رواة الحديث، فلا يوجد حسب كلامه راو ثقة، فكل من قيلت فيه كلمة بحق أو بباطل وجبت فيه:
قال عن عمرو بن دينار: "ضعيف واهي الحديث منكره"، رغم أن عمرا هذا من أشهر رواة الحديث وأثبتهم، ومن المفترض أن شهرة الراوي تمنع صاحبنا ظافر وهو الباحث في الحديث من الخطأ فيه، وكونه في أعلى طبقات الحفاظ تمنع صاحبنا من إسقاطه إلى أدناها.
وقال عن إسرائيل بن يونس: "ضعيف" وعن حفص بن غياث: "لم يكن بشيء مدلس"، ومحمد بن خازم: "ضعيف كان يدلس ويخلط ما يسمعه"، وابن إسحاق: "كذاب"...إلى آخر القائمة، ثم يقول: "أن أصح الكتب الإسلامية بعد القرآن الكريم هو صحيح البخاري".
قلت: إذا كان رواة صحيح البخاري على حسب قولك إما ضعيف، أو واه، أو مدلس مردود الحديث، فأي صحة فيه؟! وأي سنة للمسلمين؟!.
18- مقال أبي رية عن حادثة السحر ورد محمد فؤاد عبد الباقي عليه
قال علي العمران في مقدمة تحقيقه للأنوار الكاشفة أن أبا رية كتب في مجلة الرسالة مقالا في إنكار حادثة السحر وأن محمد فؤاد عبد الباقي قد رد عليه([9])، لكني لم أجد المقال ولا الرد وإنما وجدت كلاما لأبي رية في حديث القليب (الرسالة: عدد 865) وردا لمحمد فؤاد عليه في (العدد: 871).
ثانيا: كتب عامة ناقشت الحادثة واستفاضت فيها
تنوعت الكتب التي استفاضت في ذكر حادثة السحر والتعليق عليها، ويمكن حصر هذه الكتب في هذه الأصناف:
1- شروح الحديث
أهم هذه الأصناف هي كتب شروح الحديث خاصة شروح البخاري، فقد ذكر البخاري الحديث في سبعة مواضع، فتفرق كلام الشراح فيه واستفاض حتى أمكن جمع كتاب من كل شرح يتحدث عن الحادثة، ثم تليها من حيث الأهمية شروح مسلم لمكانة الشراح، فقد حرروا المسألة ولم يكتفو بالتقليد، ومن هذه الشروح: شرح أبي العباس القرطبي والمازري والقاضي عياض، ثم تليها بقية شروح كتب الحديث، فلا يكاد يخلو كتاب من ذكر الحادثة.
وأهم الشروح المذكورة هو شرح ابن حجر على البخاري، وهو شرح عظيم تميز بسعة مصادره، ودقة تحريراته، إلا أنه لا يخلو عمل بشري من نقص وأهم ما يمكن أخذه على الشارح في حادثة السحر اعتماده مرسل عمر بن الحكم في مواضع، بل ومقابلته أحيانا مع حديث الصحيحين، بل وتقديمه عليهما في مواضع أخرى.
وهو مرسل واه جدا وعلله ظاهرة، منها الإرسال، وأنه من رواية الواقدي، وأنه عن رجل مجهول، وأنه مختوم بابن أبي فروة، فهو كما ترى إسناد مظلم، فكيف يفهم على ضوئه الحديث؟! أو كيف يصرف ظاهر الحديث الصحيح لمعارضته بمرسل منكر كهذا؟!.
2- كتب السحر
لا يكاد يخلو كتاب من الكتب التي اختصت بذكر السحر من إيراد حادثة السحر استدلالا بها أو تعليقا عليها، لكن يغلب على هذا الصنف: النقل، التكرار، وعدم التحرير فهي نسخ طبق الأصل من الفتح أو غيره لا تكاد تجد فيها الجديد، ومع هذا توجد بعض الكتب التي خالفت القاعدة منها كتاب أحمد الحمد السحر بين الحقيقة والخيال، وكتاب رانيا رجب حقيقة السحر بين الموروث والمنصوص، وغيرهما.
3- كتب الردود على البدع والشبهات
هي في أغلبها كتب معاصرة ردت على الطعن في الصحيحين أو تحدثت عن أخبار الآحاد أو تحدثت عن الشبهات المثارة حول النبوات أو الإسلام عموما.
4- كتب السيرة والشمائل والخصائص
ظهر الحديث في طبقات ابن سعد، وسيرة ابن هشام نقلا عن ابن اسحاق، ثم تفشى في الكتب بعد ذلك، وقد اقتصر الجميع على نقل الخبر أو الحديث دون التعليق عليه، وبَوَّبَ عليه بعضهم بما يحوي تصديقهم به، إلا أن بعض المتأخرين لم يوردو الحادثة كأنهم يضعفونها، وبعضا آخر سقطت عندهم حادثة السحر، وليلة الجن (بعد العودة من الطائف)، وظهور الشيطان في بدر، وهو ما يؤكد تعمد الإسقاط.
5- كتب الغريب والمعاجم
اهتمت كتب الغريب بالحديث من جهة كثرة ألفاظه التي تحتاج إلى شرح، وأكثرهم اقتصر على شرح المفردات وقليل منهم من عرج إلى دلالات المعاني، ومن الذين استفاضوا في الموضوع نجد القاضي عياض في مشارق الأنوار.
6- كتب مختلف الحديث
رغم أن ظاهر الحديث يخالف الكثير من النصوص الحديثية، إلا أن كتب المختلف أهملت الكلام عنه، ولم تخرج عن القاعدة إلا بعض الكتب منها: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة.
7- كتب التفسير
عند الكلام عن تفسير سورة الفلق، وقد اقتصر أغلب المفسرين على إيراد الروايات دون التعليق عليها، وقد جمع (الداخل) أقوال المفسرين في السورة في كتابه (جمهرة التفاسير)، وتحدث عن حادثة السحر في عشرات الصفحات.
ثالثا: كتب عامة تطرقت إلى الموضوع باختصار لكنها جاءت بالجديد:
هذه الكتب يصح أن يقال فيها أنها لم تتطرق إلى الحديث لقلة كلامها فيه، لكنها أخذت قيمتها من قيمة المؤلف، أو لأنها حررت شيئا من المسائل المتعلقة بالحديث.
لقد انتهجت في دراسة هذا الحديث الطريقة التقليدية، فالتزمت أكثر لوازمها مما أثقل البحث، وجعله بهذا الحجم([10])، فسبب الإفراد هنا هو كبر مادة البحث، ومع ذلك فالحديث يستحق الإفراد، لكثرة الاستشكالات فيه، وكثرة الاعتراضات عليه، وغزارة فوائده، وتنوع مباحثه ومعانيه، قال علي صياح: "ولا شك أن الحديث إذا أفرد بالتصنيف كان ذلك أدعى للشمولية والاستقصاء مما يترتب عليه عمق البحث، ودقة النتائج"([11])، ويكفي في الدلالة على التنوع أن البخاري أورده في سبعة مواضع من صحيحه، وانظر المبحث التالي.
أهمية الحديث والفائدة المرجوة من دراسته
أولا: المسائل التي تطرق إليها الحديث
يمكن أن نقول إن حديث حادثة السحر قد مس موضوعات كثيرة تدخل تحت أبواب شتى منها: النبوات، الغيب، السيرة، السحر، الملائكة، الأخلاق، الرؤى ... وغيرها كثير قد ذكرتها بالتفصيل في الفوائد المستخرجة من الحديث.
والحديث رغم احتوائه على كل تلك المسائل إلا أنه ليس أصلا فيها، وإنما هو في أغلبه مؤكد لنصوص أخرى أكثر منه وضوحا في بابها، فهو كالفرع للأصل بالنسبة إليها إلا في مسائل يسيرة منها: موضوع السحر حقيقته وطرق علاجه، والتأريخ لمرحلة من مراحل السيرة النبوية...
ثانيا: أهمية المسائل المطروحة في الحديث
هذه بعض الجمل المبينة لأهمية الحديث:
1- أهمية الحديث نابعة من معالجته لمشاكل معيشة إذ أن ظاهرة السحر قد تفشت في المجتمعات المسلمة، وطرق الحل وإبطال السحر قد وردت في الحديث، كما أن الشبهات المثارة حول الحديث كثيرة، وإزالة تلك الشبهات من أهم المهمات، قال صالح معتوق: "ويستحسن في اختيار الأحاديث ما يعالج مشكلة يعاني منها المجتمع الحالي أو التي تثار حولها الشبهات أو التي تفهم خطأ" ومثل بجملة من الأحاديث منها حديث سحر النبي صلى الله عليه وسلم"([12]).
2- أهمية الحديث نابعة من أهمية الردود على الشبه المثارة حوله
ذكرت شيئا من ذلك سابقا وأضيف الرد على النصارى والملاحدة لاعتمادهم هذا الحديث في الطعن على النبي صلى الله عليه وسلم والرسالة، قال طه حبيشي: "ونحن على شوق الآن للحديث عن رسول الله في جميع أحواله غير أن هذا الحال من أحوال رسول الله يكون أولى بالحديث الآن من غيره لتغبير الجاهلين فى وجهه ومحاولة نيلهم منه"([13]).
3- أهمية الحديث نابعة من كونه أصلا في معرفة السحر
لقد جاءت الآيات والأحاديث بذكر السحر لكنها لم تتعرض إلى ماهيته، ومن تعرض منها للماهية لم يكن صريحا في ذلك، فكثر التأويل فيها، وكثر لَيُّ أعناق النصوص كي تتوافق مع الأهواء والأفكار المسبقة، لكن حديث عائشة رضي الله عنها صريح وواضح، ولا يمكن تأويل معانيه.
منهج دراسة هذا الجزء هو المنهج المتبع في السلسلة، ويمكن إضافة بعض الأمور الخاصة كاستعمال عبارة حادثة السحر بدل حديث السحر وسحر النبي صلى الله عليه وسلم.
قال محمد رشيد رضا في رده على الدجوي: "وفي إضافة السحر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما فيها من سوء التعبير وسوء الأدب"([14]).
قلت: نقل محمد رشيد عن محمد عبده نصوصا فيها هذه اللفظ لكنه لم يعقب عليها بشيء بل ذكر تعظيم محمد عبده للنبي صلى الله عليه وسلم بما لم يسبقه إليه أحد، فالمستغرب هنا شدته على الدجوي!!.
والأمر واسع ولا يستحق هذه الشدة، ومع ذلك فقد استعضنا عن هذه اللفظة وعن لفظة (حديث السحر) بعبارة (حادثة السحر) والله المستعان.
وقد بالغ بعضهم في استعمال هذه اللفظة الموهمة فخرج بها إلى المحذور، من ذلك تبويب محقق الروض الأنف على الحادثة بقوله: السحر المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم([15]).
[1]) بدائع الفوائد (ج2/739).
[2]) تفسير سورة الفاتحة وست سور (ص: 139-140).
[3]) ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر (ص: 65).
[4]) ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر (ص: 97).
[5]) سحر النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤيدين والمشككين (ص: 14).
[6]) تنزيه نبي الله عما نسب إليه من السحر (ص: 24).
[7]) مرجع شيعي عراقي (1937-1980)، استقر في لبنان سنة 1970م وقتل على يد البعثيين في بيروت.
[8]) مقال نشر بمدونته بتاريخ 16/09/2009.
[9]) آثار المعلمي (مقدمة الجزء 12/ ص: 21).
[10]) سنتخفف في بقية أجزاء السلسلة فنقلل النقول ولا نورد من المعاني إلا المهم.
[11]()إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان (ص: 8).
[12]()عناصر شرح الحديث النبوي في الجامعات بين الواقع والطموح بحث مقدم لندوة علوم الحديث واقع وآفاق 1424ه-2003م.
[13]) ضلالات منكري السنة (ترقيم آلي).
[14]()مقال: المنار ومجلة مشيخة الأزهر (المقال العاشر)، مجلة المنار (ج33/39).
[15]) الروض الأنف (ج2/370) ط الكتب العلمية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق